الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
339
تفسير روح البيان
والميت ما زال عنه ذلك وجه التمثيل ان المؤمن منتفع بحياته إذ ظاهره ذكر وباطنه فكر دون الكافر إذ ظاهره عاطل وباطنه باطل وقال بعض العلماء هو تمثيل للعلماء والجهال وتشبيه الجهلة بالأموات شائع ومنه قوله لا تعجبن الجهول خلته * فاته الميت ثوبه كفن لان الحياة المعتبرة هي حياة الأرواح والقلوب وذلك بالحكم والمعارف ولا عبرة بحياة الأجساد بدونها لاشتراك البهائم فيها قال بعض الكبار الاحياء عند التحقيق هم الواصلون بالفناء التام إلى الحياة الحقيقية وهم الذين ماتوا بالاختيار قبل ان يموتوا بالاضطرار ومعنى موتهم إفناء أفعالهم وصفاتهم وذواتهم في افعال الحق وصفاته وذاته وإزالة وجودياتهم بالكلية طبيعة ونفسا واليه الإشارة بقوله عليه السلام ( من أراد ان ينظر إلى ميت متحرك فلينظر إلى أبى بكر ) فالحياة المعنوية لا يطرأ عليها الفناء بخلاف الحياة الصورية فإنها تزول بالموت فطوبى لأهل الحياة الباقية وللمقارنين بهم والآخذين عنهم قال إبراهيم الهروي كنت بمجلس أبى يزيد البسطامي قدس سره فقال بعضهم ان فلانا أخذ العلم من فلان قال أبو يزيد المساكين أخذوا العلوم من الموتى ونحن أخذنا العلم من حي لا يموت وهو العلم اللدني الذي يحصل من طريق الإلهام بدون تطلب وتكلف : قال الشيخ سعدى قدس سره نه مردم همين استخوانند وپوست * نه هر صورتي جان ومعنى دروست نه سلطان خريدار هر بندهايست * نه در زير هر ژندهء زندهايست إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ كلامه اسماع فهم واتعاظ وذلك بإحياء القلب مَنْ يَشاءُ ان يسمعه فينتفع بانذارك وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ جمع قبر وهو مقر الميت وقبرته جعلته في القبر . وهذا الكلام ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات وإشباع في إقناطه عليه السلام من ايمانهم وترشيح الاستعارة اقترانها بما يلائم المستعار منه شبه اللّه تعالى من طبع على قلبه بالموتى في عدم القدرة على الإجابة فكما لا يسمع أصحاب القبور ولا يجيبون كذلك الكفار لا يسمعون ولا يقبلون الحق إِنْ ما أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ منذر بالنار والعقاب واما الاسماع البتة فليس من وظائفك ولا حيلة لك اليه في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى وقوله ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ ) إلخ وقوله ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) وقوله ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) وغير ذلك لتمييز مقام الألوهية عن مقام النبوة كيلا يشتبها على الأمة فيضلوا عن سبيل اللّه كما ضل بعض الأمم السالفة فقال بعضهم عزير ابن اللّه وقال بعضهم المسيح ابن اللّه وذلك من كمال رحمته لهذه الأمة وحسن توفيقه يقول الفقير أيقظه اللّه القدير ان قلت قد ثبت انه عليه السلام امر يوم بدر بطرح أجساد الكفار في القليب ثم ناداهم بأسمائهم وقال ( هل وجدتم ما وعد اللّه ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدني اللّه حقا ) فقال عمر رضى اللّه عنه يا رسول اللّه كيف تكلم أجساد الأرواح فيها فقال عليه السلام ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون ان يردوا شيأ ) فهذا الخبر يقتضى ان النبي عليه السلام اسمع من في القليب وهم موتى وأيضا تلقين الميت بعد الدفن للاسماع والا فلا